اسماعيل بن محمد القونوي
247
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المفتاح أن البدل لزيادة التقرير والإيضاح وتسمية ترك الحج كفرا الخ أي يشبه ذلك الترك بكفر من حيث إنه فعل الكفار ففي من كفر استعارة تبعية . قوله : ( وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع مما يدل على المقت والخذلان وقوله عن العالمين بدل عنه لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان والإشعار بعظم السخط ) الغنى المستعمل بعن بمعنى الاستغناء فإنه هذا الموضع أي موضع عدم امتثال أمره فالمثل محذوف أي في مثل هذا الموضع وأما في موضع آخر فقد يكون للتحريض على التوكل والاعتماد على ما عنده وغير ذلك « 1 » مما يدل على المقت أي فرط الغضب أي أنه كناية عن السخط وكمال الغضب قوله من مبالغة التعميم بناء على أن اللام للاستغراق لا للعهد كما يوهمه قوله بدل عنه فيشمل جميع ما سوى اللّه تعالى فيدخل الإنسان دخولا أوليا ولذا قال والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان إذ يستفاد منه أنه تعالى مستغن عن جميع العالم وكل من هذا شأنه فهو مستغن عن الإنسان فالعالمين هنا لم يوضع موضع المضمر وأن فيه تغليب العقلاء على غيرهم والمراد بالإنسان من لم يحج مع التمكن منه . قوله : ( لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإقبال على اللّه ) ظاهره علة لعظم السخط أي إنما أشعر بعظم السخط لأنه قوله : وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع يدل على المقت والخذلان وقوله عن العالمين يدل عليه الخ قال بعضهم إنما قال عن العالمين ولم يقل عنه واضعا للمظهر موضع المضمر لوجهين أحدهما الدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان فإن الاستغناء عن العالمين يستلزم الاستغناء عنه وثانيهما أن قوله عن العالمين يدل على كمال الاستغناء وهو يدل على كمال السخط كما أن الاستغناء يدل على السخط فأصل الكلام ومن كفر فإن اللّه ساخط عليه ثم فإن اللّه غني عنه ثم فإن اللّه غني عن العالمين فالاستغناء عن العالمين كناية إيمائية عن الاستغناء عنه والاستغناء عنه كناية إيمائية أيضا عن السخط عليه فيكون الاستغناء عن العالمين وهو كمال الاستغناء كناية رمزية عن كمال السخط عليه مرتبة على الكنايتين وإنما قال في هذا الموضع يدل على المقت لأن ذكر الاستغناء لا يدل على المقت مطلقا ولكن ههنا لترتبه على من كفر دل عليه فهو إنما دل عليه من خصوص المقام . قوله : لأنه تكليف شاق تعليل لقوله وقد أكد أمر الحج قال الإمام اعلم أن تكاليف الشرع في العبادة قسمان منها ما يكون أصله معقولا إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فإن أصلها معقول وهو تعظيم اللّه تعالى وأما كيفية الصلاة فغير معقولة وكذا الزكاة أصلها دفع حاجة الفقر وكيفياتها غير معقولة والصوم أصله معقول وهو قهر النفس وكيفيته غير معقولة فالحكمة في كيفيات هذه العبادات غير معلومة وفي أصلها معلومة وأما الحج فهو سفر إلى موضع معين على كيفيات مخصوصة فالحكمة في أصله وكيفيته مجهولة إذا عرفت هذا فنقول قال المحققون الاتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال العبودية والخضوع والانقياد من الاتيان بالنوع الأول وذلك
--> ( 1 ) كاستغناء عن حمد الحامدين في قوله تعالى : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ .